أثر باتمان: دور الأنا البديلة في تمكين الفرد

.

في لحظاتك المصيريّة والحاسمة، قبل لقاء وظيفي، قبل التقدّم للاعتراف بالحُب، قبل اختبار جامعي هامّ، قبل القاء عرض أو كلمة، قبل الدخول في مكان مكتظّ بالناس والعيون معلّقة عليك، ثمّة قلق يتفاوت من شخص لآخر يسري في جسدك قبل كل حدث هامّ في حياتك.. ماذا لو أن هناك طريقة فعّالة وبسيطة للتعامل مع هذا القلق مهما كانت حدّته؟

قرأت في سبتمبر مقالة رائعة على BBC بعنوان: أثر باتمان، دور الأنا البديلة في تمكين الفرد.. ترجمت لكم أهم النقاط منها بإيجاز وبتصرُّف.

هل تسائلتم يومًا كيف يستجمع نجوم العالم توزانهم وثباتهم للوقوف على المسرح بالرغم من القلق والخوف من أن يكون ادائهم سيئًا؟ بالنسبة للمغنيّات العالميّات مثل أديل وبيونسيه كان السرّ في خلق أنا ثانية أو شخصيّة بديلة/ Superego.. داخل بيونسيه هناك شخصيّة متمكّنة وأكيده من نفسها اسمها (ساشا فيرس) والتي ساعدت بيونسيه لتقديم اداء أكثر ثقة وأكثر اثارة

قالت بيونسيه لأوبرا وينفري عام ٢٠٠٨: قبل دخولي على المسرح، عند ارتدائي لكعبي وارتفاع صوت الأوتار الموسيقيّة، في هذه اللحظة قبل أن يتمكّن القلق والخوف منّي تظهر ساشا فيرس وعندها يتبدّل حالي وتتغيّر وضعيّة جسدي  والطريقة التي أتحدّث بها

استعملت بيونسيه هذه الاستراتيجيّه حتى عام ٢٠١٠ في مسيرتها الفنّية إلى أن شعرت بالتمكين الكافي لإسقاط هذه الأنا الثانية أو الشخصيّة البديلة التي كانت تساعدها في أوقات التوتر والخوف

المغنيّة أديل ايضًا اتبعت نفس الطريقة وخلقت خليط من شخصيّة ساشا فيرس الخاصّة ببيونسيه ومن مغنّية موسيقى الريف الأمريكيّة جون كارتر..  خلال أكثر سنواتها نجاحًا وازدهارًا قالت أديل أن استراتيجيّة الأنا البديلة ساعدتها في تقديم أفضل اداء لها

بالرغم من أن تجسيد شخصيّة خياليّة تبدو كحيلة يستعملها نجوم البوب، دراسة جديدة تشير لوجود منافع نفسيّة ناتجه عن استعمال هذه الحيلة فتبنّي شخصية بديلة أو أنا ثانية هو شكل من الابتعاد الذاتي والذي يتضمّن الرجوع خطوة إلى الوراء من مشاعرنا الحاليّة لكي نسمح لأنفسنا بالنظر للموقف بشكل محايد أكثر.

رايتشل وايت، استاذ مساعد علم نفس في كلية هاميلتون في نيويورك، تقول بأنّ الابتعاد الذاتي يمنحنا مساحة أكثر للتفكير بشكل عقلاني عن الموقف ويسمح لنا بكبح المشاعر غير المرغوبة مثل القلق ويزيد من ثباتنا في المهمات الصعبة ويعزّز من تحكمنا الذاتي.

 

 

تغيير المنظور/ الزاوية

ايثان كروس، أستاذ علم النفس في جامعة ميتشغن قاد أكثر بحوثاته في العقد الماضي ليظهر أثر التغييرات الصغيرة في الزاوية أو المنظور في مساعدة الأشخاص لإكتساب مهارة التحكم في المشاعر

في دراسة طُلب من المشاركين أن يفكّرون في حدث مستقبلي يشكّل لهم تحدّي مثل اختبار هامّ.. قُسّمت المجموعتين إلى: مجموعة منغمسة داخل الحدث وداخل مشاعرها ومجموعة منفصلة عن الحدث وعن مشاعرها

أخبروا المجموعة المنغمسة بأن يتصوّروا الاختبار من الداخل كما لو انهم في الموقف فعلًا، بينما المجموعة المنفصلة طُلب منهم تصوّر الحدث من مكان بعيد كما لو انهم ذبابة على الجدار داخل قاعة الامتحان.

الفرق كان هائلًا..

الاشخاص الذين تصوّروا الحدث عن بعد شعروا بأقل قدر من القلق عن الاختبار مقارنةً بالمجموعة المنغمسة. الابتعاد الذاتي يحفز اكبر قدر من مشاعر القدرة الذاتيةاحساس انهم تعاملوا من الحدث واستطاعوا تحقيق هدفهم من دون قلق

في تجربة أخرى، طلب من المشاركين أن يلقوا كلمة وقبل إلقائها طُلب منهم التفكير بمشاعرهم بإستخدام صيغة المتحدّث/ الضمير الثالث third person narrative فيقول المشارك لنفسه: (يشعر ديفيد بالثقة وسيتمكن من إلقاء كلمة رائعة) كما لو أن ديفيد هو كيان منفصل عن نفسه بدلًا من الحديث كشخص أوّل (انا أشعر بالثقة وسأتمكّن من إلقاء كلمة رائعة)

هذه الطريقة مصمّمة لتحفيز الشخص برؤية الوضع من مكان خارج نفسه وكما تعلّمتها في مواد الرواية والسرد القصصي هناك ثلاثة أنواع للسرد:

١سرد القصّة بإستعمال الشخص الأول ( أنا ) حيث تكون القصّة داخل رأس الراوي وتحكي ما يدور في داخله من مشاعر واحاسيس أكثر من كونها مشغولة بما هو خارج نفسه (رواية الجريمة والعقاب كمثال)

٢سرد القصّة بإستعمال الشخص الثاني هو الأقلّ شيوعًا في الرواية والأكثر شيوعًا في الاعلانات مثل اعلان نايكي: Just Do It فيكون الخطاب موجّه للذي أمامك أو يسمعك

٣سرد القصّة بإستعمال الشخص الثالث يعني أن يسرد القصّة شخص خارجها وليس جزء منها مثل روايات أغاثا كريستي

مرة أخرى، خلق ابتعاد نفسي ساعد المشاركين في التغلّب على القلق، وخفّض من معدّلات التقييم الذاتي للمشاعر (منهج يقوم على تفسير الظواهر في ضوء المشاعر والميول الداخليّة وما يجري في عالم الشعور) وخفّض ايضًا من التقييم الموضوعي ويُقصد بها التغييرات الماديّة وما يتم رصده خارجيًا مثل ارتفاع نبضات القلب وضغط الدم الذي يأتي عادةً مع أي تحديات وتهديدات خارجية تواجهنا.

ارتفاع حسّ الثقة بالذات انعكس ايجابًا على جودة العرض نفسه وفقًا للمقيّمين.

.

.

.

الابتعاد الذاتي  يمكّن الناس من تحقيق تأثيرات ايجابيّة عن طريق حثّهم للتركيز على الصورة الكبيرة.. أن يشاهدون الاحداث كجزء لخطة خارجية بدلًا من الانغماس في المشاعر اللحظية والتشتت عن الهدف بمشاعر القلق والتغييرات الماديّة التي تصاحبه

تسائل الباحث في تجربة أخرى ما لو أن قدرة الأشخاص على التركيز سترتفع في لعبة الكلمات المتقطّعة إذا طلب منهم بأن يمارسون الابتعاد الذاتي قبل البدأ عن طريق نصح أنفسهم بإستخدام صيغة الشخص الثاني فيقول لنفسه: “ستركّز على كل سؤال يا فلان” كما لو أنه يخاطب صديق له بدلًا من أن يقولسأركز على كل سؤال” بجانب تحسّن الأداء الكلّي للمشاركين التأثيرات كانت جليّة في تصرفاتهم حيث ظهرت رغبتهم القويّة في تحسين ادائهم للجواب على الاسئلة

بزيادة حسّ التحكم الذاتي للمشاركين، من الممكن للابتعاد الذاتي أن يحسّن من السلوكيّات الصحيّة ايضًا مثل أن يزيد من رغبتهم بممارسة التمارين الرياضيّة ويساعدهم في مقاومة اغراء الوجبات السريعة بحسب الباحثة في علم النفس الاجتماعي سيلينا فرمن في جامعة مينيسوتا

وبالعمل مع الأستاذ ايثان كروس، طلبت سيلينا المشاركين أن يمارسون الابتعاد الذاتي عند مواجهة خيارات متعدّدة من الغذاء -فواكه وحلويّات- فعندما يسأل المشارك نفسه ( ماذا يريد ديفيد ) بدلًا من ( ماذا أريد ) من المرجّح أن يختار الفواكه  على الحلويّات

في المرّة المقبلة عندما تقرّر أن تطلب الدونات الموجودة على الرفّ الأوّل أمامك في المتجر، أدِر حوارك الداخلي واسأل نفسك: هل معاذ يبغا الدونات؟ بدل ما تقول هل أنا ابغا الدونات.. بهذه الطريقة تنفصل عن أناك ورغباتها. 

.

كيف تخلق لنفسك شخصيّة بديلة تساعدك على مدار يومك؟

  •  الصفات والمهارات: حدّد اولًا مالصفات التي تودّ أن تكتسبها او تقوّيها في نفسك؟ الثقة، التميُّز، الابداع، التفرّد، القوّة، الخ
  •  المجال والدافع: اسأل نفسك ما هي دوافعك لإكتساب هذه الصفات او المهارات التي اخترتها؟ لتستعملها في مجال عملك؟ او في علاقاتك الاجتماعيّة؟ او لظهورك على شبكات التواصل الاجتماعي
  • الخيال والتركيب: كيف هو شكل الأنا البديلة التي تودّ أن تخلقها لنفسك؟ من الممكن أن تستعمل شكلك ونفسك ولكن بالتغييرات التي ترغب بها ومن الممكن أن تبتكر أي شكل آخر، اذا لاحظت في الافلام يردّد الابطال دائمًا بأن ما يدفعهم للنجاح او لفعل الخير هم أشخاص يحبونهم ورحلوا عن حياتهم ولكنهم ما انفكوا عن تصوّر وجودهم يدعمونهم في الخلف وفي الاوقات الصعبة بالرغم من رحيلهم للموت، بإمكانك استعمال صور والدك المتوفّى وهو ينظر لك بإستمرار في كل ما تفعله ويوجّهك نحو الأفضل وبإمكانك استعمال صور ذهنيّة لأي مشهور أو شخصيّة مفضلة لديك عالميّة او محلّية
  • المظهر والهيئة: من اللازم أن تتصوّر أدق التفاصيل عن أناك البديلة مثل الملابس التي ترتديها، فلا يمكن أن تظهر شخصيّك البديلة التي من المفترض أن تساعدك بملابس عاديّة، لتعطي أثرًا أقوى تخيّلها بشكل مهندم وصارم وبملابس رسميّة فاخرة (تذكر هي ليست أنت، هي موجودة لتدفعك أكثر)
  • الاسم والتعويذة: اختر لها اسمًا أو اجعلها بنفس اسمك واختر تعويذة بإمكانك تردديها عندما تحتاج ظهور هذه الأنا بديلة، تعامل معها ككيان منفصل

.

يحضرني مسلسل Queen of the South، في الموسم الأوّل كان هناك وجهان للبطلة تيريزا، الوجه الآخر الأنيق والمهندم لها كان ما يدفعها للتحرّك واتباع حدسها لشقّ طريقها نحو الحياة التي تبحث عنها حيث الحريّة والمال ومثلما يدير بروس واين ثرواته وشركته في النهار بوجهه الحقيقي ويحارب الشرّ في الليل بوجه باتمان بإمكاننا أن نفعل ذات الشيء ونخلق وجهًا آخر لأنفسنا لنتمكّن من امتلاك المهارات التي دفعتنا لخلق هذه الأنا البديلة ومن ثم نسقطها كما أسقطت بيونسيه ساشا فيرس وأصبحت متمرّسة بذاتها الحقيقيّة.

كُتبت بحُبّ.

One comment

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s